نحو نهايات عصر الدم العربي المهدور؟
الخليج الجديد -

بعد غياب " الكبار" من القادة في الوطن العربي، بعنوان مصر والجزائر ثم العراق وسوريا، انفتح المجال امام "الصغار" لملء الفراغ بالرغبة الشخصية أو بالتحريض الاجنبي. وهكذا تقدمت السعودية، بعد تردد. كانت الكويت هي "الاعقل"، فقد انتدبت نفسها لدور "الوسيط" دائماً، مبتعدة عن التنافس على "الزعامة"، مدركة أن ذلك الدور أجدى وانفع لها و"للإخوة الاعداء".

وانضمت دولة الامارات بشخص الشيخ محمد بن زايد إلى السعودية في التصدي لدور "قيادة الامة". فتم "استرضاء" الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بثلاثين من الفضة، ثم تقدمت الامارات لمشاركة السعودية في حربها على اليمن، بلد الحضارة الأولى، فأرسلت طيرانها الحربي ليغير على المدن والبلدات والقرى الفقيرة في اليمن، مشترطة أن تحصل بالمقابل على قاعدة بحرية على الشاطئ اليمني قرب باب المندب.

لكن القيادة مكْلفة، في السياسة قبل المال وبعده.

وإذا كانت السعودية قد بادرت بالانفتاح على روسيا، عبر زيارة أولى لولي عهدها الامير محمد بن سلمان، فان موسكو رحبت، من بعد، بملكها سلمان بن عبد العزيز الذي لقي "استقبالاً امبراطورياً"، وتمت المحادثات بينه وبين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في بعض أفخم قاعات القياصرة في الكرملين.

وشملت المحادثات التي أجراها "القيصر" الجديد مع الملك سلمان ــ لأول مرة ــ صفقات مهمة من السلاح، بينها الصواريخ الجبارة وبعض أنواع الاسلحة المضادة للطائرات، فضلاً عن كميات من رشاش الكلاشينكوف مع ترخيص بإنتاجه في المملكة المذهبة.

الزيارة مهمة بذاتها، لكن مقدماتها ثم نتائجها لا تقل أهمية، خصوصاً في ما يتصل بدور السعودية في المحيط العربي، وتحديداً في سوريا، (حيث ترعى المملكة مجموع المعارضات)، فضلاً عن العراق، وعن لبنان الذي "تحاصره" المملكة برعاياه فيها، كما بالحملة المنظمة التي تشنها اجهزتها على "حزب الله"، وآخرها التصريح "المباغت" الذي أطلقه الوزير السبهان، بغير مناسبة، والذي جاء بعد يومين من عودة مليكه من موسكو.

* * *

ثمة خلل كبير في الادوار والاوزان، اذ يحتل "الأغنى" محل "الاجدر" و"الأولى بالقيادة"، لتعذر استيلاد البديل المؤهل.. ثم أن خريطة السنوات العشر الماضية للمشرق العربي، وتحديداً العراق وسوريا، تشهد تبدلات مهمة بل جذرية..

فعراق ما بعد تحرير الموصل واستكمال الحرب ضد "داعش" لطرده من أرض الرافدين، رغم الخرق الذي احدثه مسعود البرازاني بإعلان نيته بـ"دولته" الكردية المستقلة شمال العراق، متجاوزاً الصيغة الاتحادية التي كان قد اعتمدها العراق بعد جلاء قوات الاحتلال الاميركي عنه.

الحروب العربية أخذت الدول العربية (والى حد ما الشعوب العربية)، بعيداً عن ميدانها الاصلي ضد العدو الاسرائيلي.. بالمقابل رأينا "المصالحة الفلسطينية " (بين فتح وحماس ــ أو بين "السلطتين" في الضفة وقطاع غزة)، تتم بسحر ساحر، ودون مقدمات مقنعة، وبرعاية مصرية، وزيارة لموفد رسمي حضر الى غزة، لأول مرة منذ سنوات، على أن تعقد جلسات تثبيت المصالحة بتقاسم الحكم (تحت اشراف القاهرة.. والعدو الاسرائيلي بطبيعة الحال).

ومن الطبيعي، والحال هذه، أن يغتنم العدو الاسرائيلي الفرصة لتوسيع رقعة نفوذه ووجوده العلني فيبعث إلى المغرب بوفد "رسمي" بين اعضائه وزير الدفاع الاسبق عمير بيرتس، وأن يستقبله النواب المغاربة ومعهم جمهور من المواطنين استقبلوه باللعنات، مطالبين بطردهم فوراً، وإيقاف عملية الابتزاز المفتوح التي يقوم بها العدو الاسرائيلي بذريعة "مواطنيه" من اليهود الذين كانوا عبر التاريخ من أهل المغرب.. وفيهم، كما المغاربة، نسبة ملحوظة من اليهود الذين طردوا مع العرب المسلمين من الاندلس.

* * *

التطورات متسارعة في المنطقة.. وثمة تبدلات جوهرية طرأت خلال مدة قياسية: فاستفتاء مسعود البرازاني اقفل حدود الاقليم الكردي من جهة إيران كما من جهة تركيا التي تضم الغالبية العظمى من الكرد، في حين تدعم الولايات المتحدة الاميركية أكراد سوريا في معركتهم لـ"تحرير" الرقة، وللمشاركة في "تحرير" الميادين ودير الزور، ولو أنهم سيصلون متأخرين..

وبغداد التي فاجأها استفتاء البارزاني شمال العراق تجتهد في الوصول إلى تسوية سلمية مع كردها ضمن اطار الاتحاد الفيدرالي القائم ولو بتحويله إلى اتحاد كونفيدرالي..

وسوريا تنهمك في تحضير مشاريع إعادة الاعمار، رغم أن المعارك لاستئصال "داعش" من الشمال (بالتعاون مع تركيا!) والشرق (بالتعاون مع ايران و"حزب الله") تتعاظم احتداماً..

لكن الخبراء يؤكدون اننا في المرحلة الأخيرة من هذه الحرب التي تتواصل منذ اكثر من سبع سنوات.

ربما آن أن تتوقف أنهار الدماء التي تنزفها الامة العربية.. أو أن الموعد المرتجى لتوقفها قد اقترب، أو انه سيقترب بعد حين!

* طلال سلمان كاتب قومي مخضرم مؤسس ورئيس تحرير صحيفة "السفير".



إقرأ المزيد